|
هذا
الاسم الذي اخترته للمحاورات العديدة التي دارت بيني وبين
جدتي عندما كنت يافعاً, ولكن هذا الحوار لم يكن مع جدتي
بمعنى الكلمة , بل كان معها في حالات الحضور , أي عندما
كانت تحضر عليها حسنا خانم (كما تدعى) . فقصتنا مع الجان
في هذه العائلة التي نشأنا وتربينا بها قصة طويلة بدأت
منذ زمن بعيد .
فعائلتنا محافظة ومتدينة , وجدي الشيخ عزّي ( والد جدتي
) عالم من العلماء المتمرسين بالدين والفتاوى , وتحفيظ
القرآن الكريم , وتعليم الكتَّاب , ولن تجد صعوبة لتعرف
صورته فهي تقع في الزاوية اليسارية السفلية من اللوحة
التي أعدتها غرفة تجارة مدينة دمشق لعلماء الدين المشهورين
بدمشق , فكم كنّا نشعر بالحظوة عند مقابلتنا لشخصية دينية
ما ومعرفته بأننا أحفاد هذا العالم القدير .
وجدتاي , والدات أمي وأبي كانت بينهما علاقة قوية , بدأت
عندما أحضرت جدتي والدة أمي لمعالجة جدتي والدة أبي من
داء نفسي عضال , وذلك بسبب حضور الجان عليها وكان ذلك
نتيجة خوف شديد وذعر أصابها أثناء الاحتلال الفرنسي لسوريا
, فصوت القذائف أضرّ كثيرا بالبنية النفسية لكثير من الناس
البسطاء وشاء القدر أن تكون جدتي ضحية هذه الأصوات , فالرعب
الذي تملّكها كان السبب بدخول جني فيها (كما يقال) , فأدى
ذلك لإصابتها بعوارض أكثر ماتكون قريبة إلى عوارض الجنون
.
وهنا بدأت المأساة , والشيخ عزّي لايعرف الاستسلام وخاصة
وأنّ هذه الحادثة وقعت لابنته الوحيدة المدللة , وهو معتزّ
بنفسه وعلمه ودينه , ولايقبل الهزيمة أمام متحديه وخاصة
إذا كان من الجان , ولكن القدر كان أقوى من عزيمته , ولم
تجد نفعاً كل محاولاته للعلاج بدون اللجوء للمشايخ الذين
يهتمون بمواضيع الجان , وأخيراً رضخ للأمر الواقع وأحضر
لها الشيخة أم عمر المتمرّسة بأمور الجان ومعالجتها ,
وهنا بدأت العلاقات تتوطد بين الأسرتين وكان ارتباط والدي
بوالدتي هو أحد الثمار التي نتجت عن هذه العلاقة .
ففي بيئة مليئة بالحوادث الغريبة والظواهر العجيبة نشأنا
وتربينا , وبيتنا العربي الكبير يعرف ميقاته كل أحد وبشكل
دوري لابد من النوبة والمولد فما أن يحين وقت العصر حتى
تبدأ النسوة بالتدفق إلى المنزل فرادى وزرافات , ونحن
الصغار نركض فرحين لفتح باب الدار واستقبال الزوار المعتادين
, وأصبحنا بحكم العادة نعرفهم ليس بالأوجه لأنهم جميعاً
يرتدون الزيّ الشعبي المعروف آنذاك كالملايا والمناديل
ولكننا نعرفهم بأشكالهم وأطوالهم وحجومهم المختلفة إضافة
لتعليقاتهم المختلفة , وبهذا الوقت يكون المجلس قد تهيأ
لهذا الاستقبال بمدّ عربي على كامل باحة الدار , فيلف
المحيط بالفرش والطراريح ويوضع السجاد بسخاء لتغطية جميع
الأمكنة وتوضع المساند والأرائك , وعند اكتمال النصاب
تأخذ كل واحدة منهنّ موقعها وتوزع العدّة ( كما يسمونها
) على بعض النسوة وهذه العدة هي طبل كبير ودفوف (مزاهر)
وصنجات ( رهيجيات) وتبدأ النوبة .
والنوبة هي مجلس الذكر الذي يبدأ عادة ببعض الموشحات والقصائد
التي تمدح وتتغزل بجمال النبي الكريم وآل بيته وبعض الصحابة
والأولياء الصالحين . ويطلبون المدد من أصحاب الطرائق
المعروفين مبتدئين بالأقربين إلى زمانهم منتهين برسول
الله . وكأنهم يصنعون سلسلة من الأنوار تمتد لمصدر الأنوار
جميعاً , وتسمع بين الفينة والفينة كلمة الله تخرج من
فم جدتي ,لابل من قلب مفعم بالإيمان , وعند اشتداد الحرارة
النابعة من التجليات التي تخلقها هذه الأجواء تقوم بعض
النسوة برقصات إيقاعية يسمونها (التثوير) أو الدروشة وهي
شبيهة بالذكر على الطريقة الرفاعية ويحصل الانسجام والتجليات
فتزداد حرارة الموقف لدرجات كبيرة وتصبح الحركات أكثر
عنفاً وانسجاماً وهنا يحصل الحضور (أي حضور الجان) , فكل
امرأة قامت من موضعها تتغير صفاتها وتصبح وعاءً للجني
الذي يرافقها ويصبح التعامل من الشيخات الحاضرات بهذه
الحضرة مع أساطين الجان وليس مع هؤلاء النسوة البسيطات
اللواتي ابتلين بدخول الجان بأجسامهن وكثيراً ماانهارت
بعض النسوة أثناء هذا الذكر ودخلن بغيبوبة لايصحون منها
إلا برش الماء أوماء الزهر على وجوههن من قبل الشيخات
اللواتي يحطن بهن ويتكلمن مع الجان , فالحوار الذي يدور
بين الجان المتمثلين بالشيخات والجان المتمثلين بالنسوة
موضوع العلاج هو حوار مبني على الترجي تارة والأمر تارة
أخرى لرفع الأذى عن الأجسام التي ابتليت مؤخراً بدخول
الجان وغالباً مايتم القبول وتجرى المصالحة بعد إجراءات
لابدّ منها , يقوم فيها الطرف الضعيف بتقديم مايطلب منه
فدية للجان كالذبائح أو إقامة الموائد الخاصة بالجان والنوبات
والموالد والتماليح الى ماهنالك من صنوف مختلفة .
ويعود الذكر مجدداً حتى ينتهي المهرجان المعتاد بتوزيع
الملبس والسكاكر وتكون الشموع الملونة التي تشتعل بعدد
كبير في صينية واحدة قد انطفأت .
وبعد هذا الذكر والنوبة والتجليات لابد من جلسة سمر يتناولون
بها القهوة ولابأس ببضع فكاهات رذيلة ترويها كبيرات السنّ
إضافة لبعض القصص والأمور الشخصية والنميمة والغيبة فكما
يقولون ( ساعة إلك وساعة لربك ).
والشيخات المتمرسات كجداتي ومن يحذو حذوهن قادرات بأي
وقت على استحضار الجان لمعالجة أي موضوع سواء أكان مرضاً
عضوياً أو نفسياً أو مايتعلّق بالجان والعين والأعمال
السحرية التي يراد منها الأذى والفرقة . ويبدأ هذا التحضير
بالنسبة لجدتي ومن هنّ بمستواها بقراءة بعض الآيات والأدعية
بصوت خافت ثم ماتلبث أن تتغير معالم وجهها وتشبك أصابع
يديها بعد رفع ذراعيها لمستوي الصدر , وتمدّ يديها إلى
الأمام بشكل أفقي , ثم تبعد يديها بحركة انتفاضية وكأنها
قدأدخلت بها يدي الجني أو الجنية , ثم تلمس بيدها اليمنى
عينيها خافضة الرأس تومئ بحركات معينة كأنها قد استفاقت
من غفوة صغيرة , وبعد ذلك تفتح عينيها وتقول السلام عليكم
جميعاً . فيقوم الحضور برد التحية وتبدأ بالسؤال عن أحوالهم
وكأنها لم تكن معهم قبل قليل , والمتغير هنا ليس فقط الروح
بل الصوت والعمر والحالة النفسية والقدرات الشفائية والجسدية
, لابل الثقافة والخبرة والمعرفة العلمية والعملية .
وكثيرة هي الأمور التي تبدو غريبة جداً بالنسبة للناس
العاديين كانت طبيعية جداً في بيتنا أما أنا فقد كنت شغوفاً
بهذا الجو وأحاول فهم أي حالة تعرض وأرى كيف يتم علاجها
من بعيد فلست معنياً بشيء ولم يكن أحد يعرني انتباهاً
لصغر سني , ولكنني درست كثيراً من هذه الحالات التي يعالجنها
, وكثيرة هي المرّات التي اغتنمت فيها الفرصة وقمت بمحاورة
الجان عبر جداتي , وأحياناً كنت أطلب من جدتي إحضارهم
لكي أناقشهم في أمور عديدة لفهم الكثير عن عالمهم وعلاقاتهم
بنا وتركيبهم لدراسته من النواحي العلمية , وكانت محبة
جدتي هي من يدافع عني أثناء تلك النقاشات التي تنتهي دوماً
بتذمر الجنية واستياؤها .
وهنا حاولت تلخيص جميع هذه المناقشات بحوار واحد إضافة
إلى معرفتي بهذا العالم الذي يدعى عالم الجان من خلال
دراساتي العديدة في هذا المجال .
يتبع ...
|
|