|
منذ أمد بعيد من عمري ، كنت كسائر
البشر ..
كان يتلاعب بي القدر ..
حتى جاد لي بها ، أغلى سمر ..
يوم التقيتها كانت غامضة ، كانت لا تسمح لأحد بالاقتراب
من أسلاكها الشائكة ..
كانت حزينة ..
رقيقة ..
بائسة ..
اعتبرت أن ما تخفيه بداخلها حرية شخصية ليس لأحد أن يتدخل
فيها ..
وكانت تعاملني مثل الجميع ..
بحذر ..
بقسوة ..
بدأت أفرج عنها هموماً لا أعرفها ..
فقط كنت أصنع الـ ( بسمة ) فوق شفاهها بطبيعتي الخفيفة
..
طبيعتي التي وهبني الله إياها ..
وربما وهبنيها لأجل هذه الفتاة ..
بدأت تلين شيئاً فشيئاً ..
وتسرد لي هماً وراء هم ..
بدأت تعاملني بتميز ..
أصبحت شخصاً ذو ثقة ..
زادت العلاقة ، وارتبطنا بطريقة غريبة لا مثيل لها حتى
الآن ..
ولا أظن بأنه سيأتي بمثل هذه العلاقة أبداً قط ..
حتى لأي منا بعيداً عن الآخر ..
لن يحدث ..
أصبحت همومها ومشاعرها هي همومي ومشاعري ..
وأصبح ما بداخلها بداخلي ..
و أصبحت أحملها كل أعبائي ، وأحمل عنها كل مواجعها ..
اكتشفت كم هي رقيقة ..
ويائسة ..
كم هي قوية ..
ومسيطرة ..
ولكنها معي كانت متخاذلة .. ومستسلمة ..
كنت كمن يحويها بين جدران الأمان ..
فكانت تشعر بأن وجودي معها يغنيها عن بذل المجهود ..
يغنيها حتى عن التفكير ..
أصبحت علاقتنا شيئاً لا اسم له بين البشر ..
فقد سمَونا بعلاقتنا هذه عن كل البشر ..
كان تفاهمنا ليس بالعين ولا الكلام ، و لا حتى بالتخاطر
العقلي ..
بل كنا نتفاهم بالروح ..
وعبر الأثير ..
نعم ، فأنا لم أرها قط حتى الآن ..
نحن أصدقاء مراسلة عبر الإنترنت ..
وبالرغم من ذلك فلا حواجز بيننا ..
أو لو شئنا الدقة ..
بين روحينا ..
كانت علاقتي بها أسمى
من علاقة عاشقين ..
لأن العشاق في علاقة بشرية محدودة ..
أسمى من علاقة أخ واخته ..
لأنها وجدت فيّ ما لم تجده في شقيقها ..
وأنا لم أجرب علاقة شقيق بشقيقته قط ..
لأنه لا أخت لي ..
فلا يمكن أن أعرف طبيعة علاقة كهذه ..
علاقة أب مع ابنته ؟
فارق السن صغير جدا لعلاقة كهذه ..
فهي تكبرني بعام واحد فقط ..
صديق مع صديقته ؟
المجتمع يرفض صداقة بين شاب وفتاة ..
كما أنها أيضاً علاقة بشرية محدودة ..
أنسمي ما بيننا " علاقة " فقط ؟
كلمة يعتبرها المجتمع غير مهذبة وتخفي وراءها شر ..
المجتمع .. العادات .. التقاليد ..
عوائق لن نتخلص منها أبداً ..
وكان لابد من وجود تسمية ما ..
علاقة روحانية ؟؟ لسنا بصدد تحضير أرواح أو شعوذة ..
إن علاقتنا بطهارتها ونقائها و إخلاصها وخصوصيتها شيء
فريد ..
وأنا قد ذكرت من قبل أننا سمونا عن كل البشر .. نعم ..
شعرنا وكأننا سوياً أنصاف بشر ..
وأنصاف ملائكة ..
فأفضل مسمى لمثل هذه العلاقة هو " علاقة ملائكية
" ..
تعبير استحدثته أنا ..
من أجلنا وحدنا ..
ولكنها علاقة لم يصدقها أحد ..
ولم يقتنع بها أحد ..
ربما سلّم البعض بها ..
واستنكرها البعض علينا ..
حتى أقرب المقربين لكل منا ..
ولكن هذا لم يُجدِ نفعاً معنا ..
نحن مقتنعين بما بيننا ..
ولن نهتم بالآخرين ..
فنحن أنصاف بشر ..
ولسنا بشر مثلهم ..
ربما العديد ممن يقرءون هذه السطور الآن يسخرون ..
والبعض يعجب بعمل أدبي نقي راقي ..
ولكن الأمر أكبر من هذا بكثير ..
فلأول مرة أكتب ما أفكر به على جهاز الكمبيوتر قبل الورقة
والقلم ..
لأول مرة لا أحتاج إلى تعديل ما أكتب أو تنسيقه ..
ولكن فلأكمل حكايتي ..
كانت ترفض الزواج لأسباب
شخصية واعتقادات خاصة بها ..
وكنت أعاونها دوماً على تغيير أفكارها ..
وكم رفضت من رجال أغراب وأقارب ..
لأسباب خاصة بها وحدها ..
فاعتقد من يعرف بعلاقتي بها أنها ترفضهم لأجلي ..
قاصري نظر ..
ولكننا لم نهتم ..
وظللت على محاولاتي ..
وظلت على عنادها مرة ..
وبدأت في لينها مرة ..
حتى جاء الشخص المناسب ..
مناسب من حيث قلبها ..
فقد اهتز له ..
وبدأت تسرد لي مشاعرها ..
وبدأت أشجعها على الحب الجديد ..
وسعدت بأني ساعدتها أخيرا في هذه المشكلة التي كانت الوحيدة
التي طال معي وقت حلها معها ..
وبالرغم من معرفتي الجيدة بهذا الشخص ..
اكتشفت أنني لم أكن قد عرفته قط ..
فقد حكى لها أشياء لم أعرفها من قبل عنه ..
ولكن لم يؤثر فيّ هذا بشيء ..
حرية شخصية ..
أما أن يرفض وبشدة علاقتي بها ..
فقد تجاوز حده البشري بهذا ..
وحاول ان يستغل قلبا وليد النبض ليتملك صاحبته وحده ..
ولكن ..
كيف وأنا أمسح كل يوم دمعة لها أو أرسم ( بسمة ) على شفتها
يأتي هو من بعيد ليأخذها ويتملكها ويضعها في خزانته الحديد
؟
من قال أنها بلا إرادة ليفرض عليها إرادته ؟
من قال انه لا مثيل له في الكون ليفرض عليها وعليّ الافتراق
؟
بأي حق ؟
لو أنني والدها لكان هذا طبيعي ..
وبشري ..
ولكانت ستبقى على علاقتها بوالدها ..
وأنا لست بوالدها ..
أنا نصفها البشري المكمل لها ..
ونصفها الملائكي ..
لو أراد أن يحتل هو الجزء البشري الخاص بي فيها فليتفضل
..
ولكن كيف يمكنه أن يعوضها الجزء الملائكي ؟
العادات .. المجتمع .. التقاليد ..
لن يتفهمنا أحد ..
قط ..
|