كثيراً ما أمسكت القلم وبدأت بالكتابة ، فلا تلبث الأفكار
أن تضيع وتتلاشى ، أو أجدها غير ناضجة وينقصها شيء ، وأشعر
بوجود سر كبير وحقيقة واقعة يدركها الحس بومضات أشبه ما
تمثّل بالبرق ولكنها لاتلبث أن تختفي قبل أن تبدأ ، وأدخل
بدوامة فكرية جديدة وأتوه وأتشتت من جديد .
قادتني الظروف منذ أن وعيت وأدخلتني بتيارات فكرية ومنهجية
، مختلفة ومتنوعة ، متناغمة حيناً ، ومتضادة أحياناً ،
فلم أشعر بأنني قد توصّلت إلى ماأبحث عنه . فما أن أدخل
بتيار فكريّ وأضع يدي على فلسفته وأدخل بثغراته وحواشيه
فلاتلبث الشكوك أن تتسلل إلى نفسي ، ويرفضه عقلي ، وأرى
النقص به ، وبتعبير آخر لاأرى به الحقيقة والنور .........لاأرى
به الله.
لامست أكثر من طريق .... فلم يشدني يوماً طريق ، فعقلي
لم يعرف يوماً التسليم والاستسلام ، أو الانغماس والنوم
، بل تستيقظ عندي الشكوك عند أول مصادفة ، وترتسم إشارات
الاستفهام ، التي أصبحت كثيرة جداً عندي .
عن أي فكرة أبحث ؟ عن أي منهجية أفتّش .وأنا لاأدخل بأي
حوار فكري إلا وأجد نفسي تتجه إلى الشمولية التي ليس لها
أفق ، ولايحدها حد ، وأظن أن الوقت قد حان ، وتلك التساؤلات
الكبيرة التي مابرحت ذاكرتي ستجد أجوبتها . فقد عرفت الطريق
، ورأيته ومشيت فيه ، وسأصل لنهايته .
بالصدفة تعرفت إلى طبيب يعالج بالطاقة الحيوية ، وقد كنت
أعاني من ألم في ظهري ، فذهبت إيه وطلبت منه علاجي وذلك
لمعرفة هذا الأسلوب الجديد بالعلاج والذي يدعى
أيضاً بالعلاج عن بعد ، وقد قام الطبيب بالعلاج المطلوب
وزالت الآلام فعلاً ، وأثناء النقاشات طلب مني أن يجري
لي نوعاً من التنويم المغناطيسي يدعى الاسترخاء ، وسأسرد
هنا التجربة الأولى التي قمت بها .
بدأت بالاسترخاء وماهي إلا لحظات حتى وجدت نفسي وأنا بكامل
حسي ووعيي أنطلق وأنطلق بسرعة خيالية وكل شيء من حولي
يدور ..... ويدور ..... وأدخل في عوالم جديدة وأرى أشكالاً
وألواناً وأحجاماً فأخترقها ، لاشيء يعادلني الآن لقد
خرجت من المحيط الذي أعيش فيه .
وكان الدكتور يكلمني وأنا أجيبه وأحس بمن حولي في العيادة
،كل شيء ثابت هنا وجسدي موضوع أمامهم ومازال حياً يقوم
بوظائفه ألاإرادية ولكنني هناك أنطلق بسرعة مدهشة في عوالم
جديدة .
وبعد قليل رأيت كرة كبيرة تسبح في ظلام دامس أحسست بأنها
متعبة وتنوء بحملها وهاهي قارة أمريكا... هاهي كندا ....هاهي
آسيا . ثم ابتعدت عنها بلمحة فصرت بعوالم بعيدة جداً عن
هذه الأرض بمسافات لايمكن إدراكها ، وأحسست بها كذرة منسية
في عالم واسع رهيب وانا أنطلق وأطير في هذا الكون الواسع
الكبير .
كان يسألني كل مدّة هل ترى أحداً عندك ، عندها تخيلت بأنني
سأرى إنساناً خطر ببالي ولكنني وجدت نفسي بين أشباح سوداء
قاتمة تتشكل أجسامهم كما بالرسم ولكنني لشدة ثقتي بنفسي
وبمن معي وبإيماني العميق اخترقت هذه الأشكال أو هذه الأشباح
وطرت عالياً .
ويالها من مسافات ومسافات ، أحس بجسدي الآن ، إنه خشبة
ليس به أي قوة أو إحساس ولاأستطيع أن أحرك ساكناً ، إنه
موت من نوع مميّز ، ولكن روحي وهذا هو المهم تنطلق من
اللحظة الأولى دون توقف .
سألني الدكتور هل ترى الكرة الأرضية ، فأجبته نعم لقد
رأيتها منذ برهة وهي الآن بعيدة عني كل البعد . وفاجأني
كوكب كبير كله بحار سوداء قاتمة يدور بسرعة عظيمة وكله
أمواج عاتية كأنها الجبال فأخبرت به الدكتور ، فسألني
إن كنت أود النزول عليه فرفضت ، فقال لي لاتخف اخترقه
وتجاوزه ، لم يساورني أي خوف فهذه أول مغامرة لي بالفضاء
الكوني ، وسوف أتجاوزه ، وفعلاً كانت لحظات رهيبة ، عشت
فيها تحدياً من نوع جديد وتجاوزت هذا الكوكب وها أنا ذا
أطير من جديد في الفضاء الرحب ، إلى أين أتجه لاأدري ولكني
أحس بأنني في طريق مرسوم بدقة .
بعد قليل لاحت لي أنوار بعيدة ووجدت أنني أدخل في ضباب
كثيف ، فأخبرت الدكتور بذلك فقال لي تجاوزه انطلق ، وكان
لكلمته فعل السحر دوماً ، فتجاوزته وقد بلغ مني التعب
والاعياء مابلغ . وفجأة وجدت نفسي في قبة السماء ، قبة
سوداء مترامية الأطراف تتلألأ فيها النجوم الكثيفة وتدور
يسرعة من اليمين إلى اليسار واقتربت من القمة وعندها تركني
الدكتور قائلاً لي ارتح هناك واسبح كيفما شئت ، اطلب ماتشاء
، فصرت أدعو وأصلي .
وفجأة لاح نور من بعيد ، ثم اقترب النور مني ، وظهر بالأفق
، إنها بلا شك العذراء مريم جاءت وهي ترتدي وشاحاً نورانياً
يلوح بالفضاء ، وتشع منها ومن وشاحها أنوار غريبة تغطي
العالم كله والقبة السماوية بأسرها عند تموّجه ، نور لم
يخطر لي على بال ، ولم أشاهد له مثيل إنه شيء يصعب على
الوصف .
اقتربت منها حتى أصبحت المسافة بيننا قصيرة جداً ، وميّزت
بوشاحها إضافة للأنوار لونين أحدهما أرجواني والآخر أخضر
وكانت تحمل بين يديها يسوع الطفل ، وجهه مدور لحمي اللون
ولكنه نوراني بشكل لايوصف ، حاولت التكلم معها لكنها بدت
حزينة .
آلمني حزنها ، نقلت لها مابقلبي ، وكأنني مندوب عن البشر
جميعاً ، أحسست بكل الخلق إنهم خلفي يستوون بمكان واحد
، كل الناس بكل أجيالهم ، من كان قبل هذا الزمان ، ومن
هم معنا في هذا الزمان ، ومن سيأتي بعدنا من الأمم والشعوب
إلى يوم الساعة .
لقد ضاع الزمان ، وضاع المكان ، وكأن التجربة القاسية
انتهت ، لقد جئناك يامريم ياأم الكون ، وكل زمان ومكان
، جئناك بأخطائنا وذنوبنا ونقصنا ، وكلنا خضوع ، فارحمينا
واشفعي لنا عند مصدر الأنوار الذي أحس به خلفك .
جئتك برسالة من البشر ، من ضعيفهم وقويهم ، من صغيرهم
وكبيرهم ، إنهم جميعاً يرجون العفو والغفران والرحمة ،
ولابد أنهم بعد أن شاهدوا نورك وهذا الملكوت الكبير ،
قد أصبحو خاضعين وعاجزين حتى عن طلب الرحمة منك .
في تلك اللحظات الرهيبة أحسست وكأنني أمثل البشر جميعاً،
أو كأنني أنا البشرية جمعاء أحمل كلّ خطاياهم وذنوبهم
، من آدم وحتى نهاية هذه الحياة ، وأنا أقف أمام مصدر
الخير الوفير، والعطاء الكثير فيجب أن أطلب ، فنحن وحياتنا
وتجربتنا كلها وعلى مرّ العصور والدهور والأزمنة لانشكل
نقطة صغيرة في بحر هذا الملكوت الواسع الرهيب .
ومابالك حزينة وتشيحين بوجهك عني ، خاطبتها والألم يعصر
قلبي ، في تلك اللحظات لم أعد أحس بالدكتور لقد تركني
وأصبح بعيداً عني ، أوعاجزاً عن الدخول في هذه الحضرة
المقدسة.
سألني بعدها الدكتور إن كنت أود العودة فأجبته بالإيجاب
لأنني تعب وحزين وبثوان قليلة وسرعات هائلة عدت إلى جسدي
من جديد .
استفقت من حلم وليس بالحلم ، وعدت من رحلة ويالها من رحلة
، ورحت أحدثهم والحزن يملأ قلبي وأجهشت بالبكاء وجلست
على الكرسي ورفعت رأسي لأجد العذراء من جديد تقف أمامي
على بعد متر واحد وبحجمها البشري الطبيعي .
وشعرت بحرارتها ورأيت نورها ثم اخترقتني وسكنت بي وأحسست
بها فقمت وقلت للدكتور دون وعي مني هل تريد علاجي ؟ أنا
من يستطيع علاجك الآن .
أحسست بأنني تخلصت من جميع أمراضي وآلامي ، وشعرت بطاقة
هائلة تسكن بي وتجري في عروقي ، لقد كنت قبل قليل في موقف
أحسد عليه ومازال يلازمني هذا الشعور .
عدنا مساءً للمنزل وتوجهنا للنوم فاشتممنا رائحة بخور
عبقة تملأ أركان البيت ، وظلت هذه الرائحة تعبق حتىصباح
اليوم التالي . هذه التجربة فجّرتني ، وغيرت الكثير من
المفاهيم عندي ، لقد أعطتني طاقة كبيرة وإيمان راسخ ومفاهيم
جديدة .
ماهذا الإنسان ، أي كائن هو ، أي قدرات خلاقة يحمل ، لقد
أصبح عندي اليقين بأن كل إنسان يستطيع أن يذهب للموقع
الذي ذهبت إليه ، إن أراد ذلك ، وتحلى بصفات بعيدة عن
البخل والأنانية .
إننا أكوان متحركة ونشبه هذا الكون الكبير ، فنحن به وهو
بنا ، ونحن بذاكرته وهو بذاكرتنا ، ويجب أن يتحقق التكامل
والتواصل بيننا وبينه بشكل ما وصيغة ما ، حتى نستطيع الاستمرار
بالحياة ضمن أطر جديدة ، ومفاهيم جديدة ، بعيدين عن عبث
العابثين وشعوذة الجهال وسطحية العامة .
لقد حققت لي هذه التجربة مفهوماً جديداً للحياة ،ومنظاراً
جديداً للأمور ، فبتّ أدرك الكنه الحقيقي لما سلف من الزمان
، وأحس بحقيقة مايجري بالحاضر ، وأرى بنظر ثاقب ماسيجري
بالمستقبل ، شيء ما تفتّح في عقلي وقلبي .
هذه الرحلة إن صح التعبير ، وماتلاها من الرحلات جعل عندي
إيمان عميق بأن الإنسان مخلوق غير عادي ، إنه كون صغير
، لا تقيده مادة ، ولاتجمده فيزياء ، بل هو تركيبة فريدة
من نوعها ، بين المادة والروح ، يحمل في طياته أجساماً
كثيرة ، وكما أن المادة التي تشكل منها تحمل صفات التحول
وتخضع لنظرية مصونية المادة أي لاشيء يخلق من العدم ولاشيء
يذهب للعدم كذلك التركيبة الأكثر شمولية ، والأكثر تعقيداً
وتنوعاً، الروح ، وإن صح التعبير الأجساد النورانية الأخرى
، التي تتحد معاً ومع الجسد الترابي البنية لتشكل الإنسان
.
هذا الإنسان المتكرر بكل مكوناته ومكنوناته وفكره وملكاته
يملك قدرات خارقة يستطيع تنميتها واستخدامها بحياته وبعد
موته ، ولكنه يحتاج إلى الدليل والاسلوب والمعرفة وفوق
هذا وذاك ، الإيمان..
وعبر التاريخ سمعنا عن أشخاص عرفوا هذا الطريق ، وتوصلوا
لفهم هذه المعادلة ، فمنهم من أخذها منهجاً للخير والسمو
والعفاف ، فصنع المعجزات ، ومنهم من غلبته أطماعه بالمجد
الزائف والثروة والشهرة في هذه الحياة فأصبح شريراً ،
أو ساحرا ً، أوشيطاناً. ولكن هذا الإتجاه أو ذاك ناتج
بلاشك عن الظروف والدوافع ، إضافة للإرادة الإلهية السامية
التي تحرك الكون .
وحتى اليوم والعالم كله يرى ويسمع من هنا وهناك عن علم
جديد مازال يحبو في فلسفات وعقائد ومختبرات متنوعة وتجارب
متفرقة ، إنه الباراسيكولوجية ، الذي انبثق نتيجة ازدياد
الوعي ، ورهافة الحس ، وشمولية النظرة . وسيجد في أوساط
العلم والنور والإيمان رواداً يحملونه ويضيؤون به الماضي
والحاضر والمستقبل ، منطلقين لهدف واحد هو خدمة الانسانية
وتطوير الأحاسيس لخلق الإنسان العصري الفاعل ، وتخفيف
الحمل عن المتعبين.